02.17ظلموك يا .. حمار

أعتقد أننا جميعا قد مررنا بهذه التجربة المريرة . وأعلم أيضا انك بمجرد سماعك هذه الكلمة موجهة إليك استشطت غضبا ، وامتلأت حنقا ، وانتفخت أوداجك ، وثارت فيك كرامتك ، وأسرعت ثائرا لنفسك موجها لخصمك الشتم قائلا : ( أنت الحمار وأشكالك يا …. )وبقية هذه الجملة (الشتائمية) تعتمد على موروثك اللغوي وخبرتك السابقة فيما يتعلق بمسألة الشتم والسب ، طبعا كل هذه الموروث سيستدعى من مرحلة الجاهلية التي عشتها !!
ولكن ، دعونا نعيد النظر في هذا الموضوع ، و نسبر أغوار المسالة ونغوص في أعماقها مجددا .
ما هو مصدر الغضب الناتج عن وصف احدهم إياك (بالحمار)؟؟ ، هل انه يكمن في كونه تشبيه بالحيوان ؟؟
لا اعتقد ذلك ، لأن الواحد منا إذا وصف بالأسد - وهو حيوان بالضرورة - انتفش وانتفخ وبانت على تقاسيمه علامات الرضا والنشوة !
إذا ، ما هي الميزة التي توجد في الأسد ويفتقر إليها الحمار؟ أو ما هو العيب الموجود في الحمار ولا يوجد في الأسد؟
ما لذي جعل الحمار مصدر إهانة وشتم وسب ، وبالمقابل جعل من الأسد مصدر فخر واعتزاز واطراء؟
تعالوا بنا نستعرض صفات صديقنا ( الحمار ) ..
فكما هو معروف أن الحمار يملك مستوى عاليا من ثقافة العمل والتي قلما توجد في شبابنا في هذه الأزمان ، وإذا أراد احد أن يصف مدى إخلاص احدهم في العمل وكفائتة وقدرته العالية على تحمل الضغوط وصفه بأنه ( حمار شغل )
والحمار أيضا من اشد العمال إخلاصا وتفانيا ، فهو لا يكل ولا يمل ، ولا يلتزم بساعات عمل محدده ، بل هو جاهز للعمل متى طلب منه ذلك ، من غير أن يبدى امتعاض أو يبوح بشكوى أو يظهر مللا أو كلل ، شعاره في ذلك ( خدمة المجتمع ) فنعه دائما متعدى لغيره - وهذه الصفة قلما توجد في البشر- فهو ليس بالأناني أو من يؤثر مصلحته على الآخرين ، وهو فوق كل ذلك لا يتفاخر بهذه المقدرة العجيبة الفائقة ، بل هو متواضع إلى ابعد الحدود .
ومن احد المميزات التي تذكر لصديقنا طيب الذكر ( الحمار ) أنه قنوع يرضى بما يقدم إليه من أكل وزاد ، لا يطلب المزيد متى ما نقص عليه طعامه ، ولا يشتكي من عدم التنويع ، ولا يتبجح بطلب أصناف أخرى أو وجبات معينه .
وهو أيضا يحرص على طيب مأكله ، فلا يأخذ طعامه خلسة ولا يسرقه كما تفعل الكثير من الحيوانات الأخرى ، ولا يسفك دما في سبيل إرضاء معدته كما تفعل الحيوانات المفترسة من غير شفقة ولا رحمة.
لعل البعض سيحتج بأن الحمار يملك صوتا بغيضا منكرا لا تحتمله أذن !
بالفعل هذه صحيح وثابت ، ولكنه لا يمثل عيبا كبيرا ولا يجرح في مصداقية ولا كرامة صاحبنا ، فلدينا نحن معشر البشر من يملك صوتا لو قورن بصوت الحمار لأصدر الحمار ألبوما نافس في التوب تن !
بعد هذا كله ، ماذا ستكون ردة فعلك ، لو أراد أحدهم أن يصف تواضعك الجم وتفانيك وإخلاصك في عملك وقال لك : ( والله إنك حمار ! )



